عصام طلعت الرفاعي – قراءة في مسرحية ” عفوا الفاعل ليس مجهولا ” للأديب صادق إبراهيم

عصام طلعت الرفاعي – قراءة في مسرحية ” عفوا الفاعل ليس مجهولا ” للأديب صادق إبراهيم

ما الموصفات التي تميز الخطاب المسرحي؟ و ما خصوصية الكتابة عند الأديب صادق إبراهيم؟
إن مسرحية ” عفوا الفاعل ليس مجهولا ” تعرض تاثير العولمة والاخر على الشباب المصرى والعمل على طمس الهوية المصرية والعربية من خلال فن المسرح وهو فن من الفنون الجميلة و يعده البعض أب الفنون لقدرته على توظيف كل الأشكال التعبيرية المعروفة ، من رقص و موسيقى و شعر ورسم … 

إن تحليلنا للمسرحية (عفوا الفاعل ليس مجهولا) يبدأ بعتباتها الأولى التي هي العنوان المنقسم إلى مصطلحين اثنين ، فالمصطلح الأول عفواا : مصدر عفا / عفا عن وعُفِيَ لـ
• عَفْوًا : لا مؤاخذة ، تُقال عند الخطأ طلبًا للمعذرة ، – عَفْوًا / العَفْو : لا شكرَ على واجب ، تُقال ردًّا على ( شكرًا ) – عَفْو الخاطر : تلقائيًّا ، ارتجالاً ، دون إعداد . المعجم: الرائد
، و أما المصطلح الثاني فيتعلق ب الفاعل ليس مجهولا و تعني حسب النص ان الجاني معروف والكل يدرك جناياته وهي توحي بالزعر .
و لقد جاءنا النص عبارة عن خطاب مسرحي يبرز من خلاله الكاتب العذاب و المعاناة التي يعاني منها البطل و هو شخصية السيد باعتقاده الخاطئ أن الظلم ليس له عواقب وخيمة ، لكن المرأة كشفت له عوراته من خلال ظهورها المفاجئ إثر كل جريمة يرتكبها في حق الإنسانية ، و ظهورها كان ألما يزلزل كيانه وتحاول بعث تأتيب الضمير فيه الذي أصبح يهدد و جوده .

أما المؤشر الثاني في بناء فرضية النص فيرتبط بشكله إذ نراه عبارة عن متوالية حوارية يهيمن فيها الحوار على السرد على عكس القصة التي نجد فيها هيمنة السرد على الحوار. وعلى الأساس أمكن تقسيم النص إلى مجموعة من الأحداث ، فالحدث الأول تتحدث عن الظلم الذى فرضه النظام السابق من خلال التلميح و ليس التصريح و فبطل المسرحية و هو بعنوان ( السيد ) من الصفة و ليس الاسم هو من يتلذذ بتعذيب رعاياه و يسجنهم فى قبو بقصره الفخم و يسجن كل من يرتد عن آرائه أو أن يطمع فى شيء له و نجد شخصية المرأة و هى الضمير فى المسرحية حيث وجودها خيالى يتصوره السيد و هى زوجة أخيه الذى سجنه فى القبو لأنه يشبهه تماما فهو توأمه و زوجته تبحث عنه ، و أما الحدث الثاني و نجد السيد الذى يشرب من دماء ضحاياه و يخلط النبيذ بدم المسجونين لديه حتى يمتلأ السجن لديه و تقوم ثورة تبيد ملك هذا السيد .. 

ومن خلال كل ما سلف نرى أن النص يغلب عليه البعد النفسي ما دام يتناول الأحاسيس الداخلية للبطل ، فالمسرحية قادرة على أن تكشف لنا أحوال النفس البشرية كما أن الخطاب المسرحي مرآة ناقلة لنبض المجتمع و قادر أيضا على الانفتاح على قضايا سياسية . و يتجذ الكاتب من قصة إيزيس و أوزوريس متكأ و يعيد صياغة القصة بأسلوب معاصر 

و بانتقالنا إلى خصائص الخطاب المسرحي نجد من بين أهم المميزات التي تميزه عن باقي سائر الفنون الأخرى كالقصة و المقالة هو وجود الصراع الدرامي حيث ساهمت العديد من الإشارات المسرحية الآتية في تجسيد الملامح النفسية لهذا الصراع و تتمثل في شخصية : السيد : (بغضب – في عصبية – بعنف – بخوف – ينهار – …)
أما شخصية المرأة فتتجسد ملامحها النفسية التي أدت إلى وجود صراع درامي قوي و ذلك من خلال تواتر مجموعة من المؤشرات الدالة على ذلك و من أهمها : (تقاطعه بحدة- بتحد – بسعادة…)
وتعكس هذه المؤشرات كلها على حالة الانفعال و التوتر النفسي الشديد التي عاشتها البلاد في بداية الخطاب المسرحي و هي تحاول إقناع السيد الإفراج زوجها أخيه والكف عن الظلم ب ظوهورها المباغت وحدتها وثقتها في نفسها دون خوف منه فهي تحمل في أحشائها ابن أخيه وفي عقلها أفكارا ثورية . لكن في النهاية تتحول حالة الانفعال و المعاناة إلى سعادة كبيرة نتيجة نجاحها في مهمتها و هي الثورة والتي أطلقت الأحرار وقضت على الظلم وحررت الفكر والأرض بأن جلس الطفل مكان أبيه الحر ن خلال دعوة الجمهور له وتم القضاء على السيد الظالم .

و أما الخاصية الثانية المميزة للخطاب المسرحي فتتمثل في هيمنة الحوار و بموجب ذلك نعتقد أن المسرحية هي عبارة عن متوالية حوارية عكس القصة التي يهيمن عليها السارد و الذي يبقى دوره محصورا في الخطاب المسرحي على توزيع بعض الأدوار و بعض الجمل الإخراجية و من أمثلة ذلك :
• يوجه حديثه في كل مكان
• يرمي اليه برزمة من النقود.
• يدخل مجموعة من الشباب الذين قد حبسهم في القبو ويحيطون به.

و إلى جانب هذا و بمقارنتنا بين حوار السيد و المرأة نجد أن حوارات المرأة طويلة في حين نجد حوارات السيد شبه قصيرة و يمكن إرجاع ذلك إلى انفعالها و توترها الكبير من جراء الظلم الواقع عليها واعتقادها الصحيح بأن الظلم له نهاية وسيعود الحق لصاحبه عاجلا أو آجلا . كما أن الحوار يستطيع أن يكشف لنا على الصراع النفسي الحاد الذي عاشه السيد بسبب ظلمه والطاعة العمياء التي بدأت تندثر ورغبته في أن يجمع الأرض كلها إليه ولما يدر ما الله صانع وهو لا يزال يرى نفسه عين الحقيقة ومن يخالفه يستحق العقاب وهو صراع تكثفه الجملة التالية:
(لست أدري … سأخرس كلماتك وأفكارك … يا للتعساء…).صراع حققت حدته أيضا فمحاولات الإقناع على لسان السيد و ذلك من خلال استثماره مجموعة من الأساليب الإنشائية كالإستفهام و هو في النص موجود بكثرة و مثال ذلك : كيف؟ لماذا؟ – …كيف؟أين كأسي؟ بالإضافة إلى أسلوب النداء و مثال ذلك أيتها المرأة – اعقلي يا امرأة…و كذلك استعمال أسلوب النفي كقول السيد : زوجك هذا وهم لا أعرف مكانه ولا طريقه؟ ومما يميز الخطاب المسرحي أيضا توطيفه الخاص للأمكنة و الفضاءات ففضلا عن مكان العرض الذي هو خشبة المسرح نجد أن هناك أمكنة ترتبط بالأحداث و هو القصر حيث توجد بعض المؤشرات التي تدل عليه في النص و من بينها :
• قاعة فخمة من قاعات قصر فخم.
• ليس لكم حق هذا القصر قصري .
• يدخل من بوابة القصر.
و من كل ذلك يتبين لنا أن القصر هو المكان الخاص الذي تجري فيه الأحداث و الوقائع إضافة إلى ذلك هناك فضاءات أخرى عامة (الأراضي الزراعية – الشوارع – المعابد القديمة…) و مع تنوع المكان نجد أيضا تنوعا للزمان فأمكن القول بعد ذلك إن الزمن العام هو الليل من خلال تواثر مجموعة من الإشارات الدالة على ذلك كقول السيد :أين كأسي فقد تأخرت علي اليوم؟
و قول الخادم : (لماذا لا تذهب للفراش لتستريح قليلا ) ، وقول السيد : (هذا اليوم كان مرهقا بما فيه الكفاية) و هذا يؤكد لنا أن زمن الليل هو المهيمن في النص بالإضافة إلى الزمن العام هناك زمن خاص و هو الصباح بدليل قول : (غدا سأكون سيدا على هذه البلاد) و هذا الزمن في النص قليل بالمقارنة مع زمن الليل ، و أما الزمن النفسي فيتنوع بتنوع الشخصيات . و من أهم ما يميز النص المسرحي هو وجود قوى فاعلة تحرك مجرى الإحداث داخل النص و تخلق لنا حوار يطبعه الصراع الدرامي ، ففي هذا النص نجد أن الكاتب ركز على شخصيتين رئيسيتين (السيد –المرأة ) هي التي تقوم بتحريك الأحداث و الوقائع في حين يمكن أن نجد في بعض المسرحيات تعدد في الشخصيات أي نجد أكثر من شخصيتين.
وبانتقالنا إلى مظاهر اتساق النص نجده أنه يضمن من خلال توظيف الكاتب لمجموعة من الوسائل اللغوية التي وفرت له اتساقه و انسجامه و نذكر الربط بين الجمل و العبارات بواسطة أدوات العطف و هي في النص كثيرة و غيرها و كذلك توظيفه للجمل الرابطية و مثال ذلك : خذ هذا الزنديق وألق به في القبو مع الآخرين ، وغدا سوف أشرب خمري ممزوجا بدمك.

هنالك في خضم البناء اللغوي للمسرحية أجد توظيفا و تنويع الضمائر من ضمير ( المتكلم – الغائب – المفرد – المخاطب) . و تكرارا لبعض العبارات و الألفااظ في النص : ( سيدي – الدم- اسمع – الموت ……)
ويمثل الخطاب المسرحي تطورا للأشكال الأدبية القديمة كالحكاية و المقالة و هو إطار ناقل لنبض المجتمع منفتح على قضايا سياسية و فكرية قادر على أن يكشف أحوال النفس البشرية . و لقد اتخذ الكاتب من قصة إيزيس و أوزوريس متكأ و يعيد صياغة القصة بأسلوب معاصر .

وأخير ما اختم به ما وجهته المرأة للجمهور قائلة : لا تتركوا الظالم يحرككم كدمى .. لا تتركوه يفرق بينكم .. فأنتم تعرفون الظالم والقاتل .. فعفوا .. الفاعل ليس مجهولا .

يمكنك التعليق هنا

إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: